ابن بطوطة

286

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الحكايات فتناجي الناس بتكذيبه . ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن ودرار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار اخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه ، فقال لي الوزير فارس : إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما انك لم تره ، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن ، وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المحبس ، فلما أدرك وعقل سأل عن اللحم الذي كان يتغذّى به ، فقال له أبوه هذا لحم الغنم ، فقال وما الغنم ؟ فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها ، فيقول : يا أبت تراها مثل الفار فينكر عليه ، ويقول : أين الغنم من الفأر ! وكذا في لحم الإبل والبقر إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفار فيحسبها كلّها أبناء جنس الفار . ولهذا كثيرا ما يعتري الناس في الاخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عن قصد الإغراب كما قدّمناه أول الكتاب ، فليرجع الانسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته ، فما دخل في نطاق الإمكان قبله ، وما خرج عنه رفضه ، وليس مرادنا الامكان العقليّ المطلق فانّ نطاقه أوسع شيء فلا يفرض حدّا بين الواقعات ، وانما مرادنا الامكان بحسب المادّة التي للشيء ، فانا إذا نظرنا أصل الشيء وجنسه وصنفه - ومقدار عظمه وقوّته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله ، وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه ، وقل ربّ زدني علما وأنت أرحم الراحمين واللّه سبحانه وتعالى أعلم . تعقيب الزياني وعن التحامل على ابن بطوطة من لدن الزياني مما أشرنا إليه في التقديم نورد نص الترجمانة الكبرى مصحوبا بالرد عليه من قبل الكتاني في مخطوطة عن تاريخ القرويين : قال الزياني : إنما رسمت فيها ( أي الترجمانة ) ما شاهدته في الأقاليم التي بلغتها ، وغيره نقلته من رحلة العياشي ، ومحاضرة اليوسي ، ورحلة البلوي ، ورحلة ابن نباتة ، ورحلة السرخسي للأندلس والمغرب ، ورحلة الكردي ، ورحلة البكري ، واخبار الهند ، والسند والصين من تاريخ الإسلام للذهبي ، ومن تواريخ لبعض علماء الهند اجتمعت بهم بالحرم الشريف وبمكة ، وكنت أسرد عليهم رحلة ابن بطوطة ، فأنكروا كثيرا مما فيها من أخبار ملوكهم ، وأما قضاؤه بالهند ومصاهرته لسلطانه ، فقد أبطلوه بالكلية ، وقالوا : هذا غير ممكن ، فبسبب ذلك لم أنقل من خبرها شيئا ، ثم بعد ذلك وقفت على ترجمته في الإحاطة ، لأبي عبد الله الخطيب ، نقلا عن شيخه أبي البركات البلفيقي ، أن محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي ، المعروف بابن بطوطة . حاله كان رجلا له مشاركة في الطب ، وارتحل للمشرق وتزيابزي الصوفية ، وجال الأقطار ، ودخل بلاد العجم ، والسند والهند والصين ، وعاد لبلده طنجة ، وجاز البحر للأندلس ،